الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
105
تفسير روح البيان
أو انه قد نزع منه مغمز الشيطان فالمراد من الاستعاذة تحذير غيره من شر الشيطان ثم إن الشيطان يوسوس في صدور الناس فيغوى كل أحد من الرجال والنساء ويوقع الأشرار في البدع والأهواء وفي الحديث ( صنفان من أهل النار لم أرهما ) يعنى في عصره عليه السلام لطهارة ذلك الصر بل حدثا بعده ( قوم معهم سياط ) يعنى أحدهما قوم في أيديهم سياط جمع سوط تسمى تلك السياط في ديار العرب بالمقارع جمع مقرعة وهي جلدة طرفها مشدود عرضها كعرض الإصبع الوسطى يضربون بها السارقين عراة قيل هم الطوافون على أبواب الظلمة كالكلاب يطردون الناس عنها بالضرب والسباب ( كأذناب البقر يضربون بها الناس ونساء ) يعنى ثانيهما نساء ( كاسيات ) يعنى في الحقيقة ( عاريات ) يعنى في المعنى لأنهن يلبسن ثيابا رقاقا تصف ما تحتها أو معناه عاريات من لباس التقوى وهن اللاتي يلقين ملاحفهن من ورائهن فتنكشف صدورهن كنساء زماننا أو معناه كاسيات بنعم اللّه عاريات عن الشكر يعنى ان نعيم الدنيا لا ينفع في الآخرة إذا خلا عن العمل الصالح وهذا المعنى غير مختص بالنساء ( مميلات ) اى قلوب الرجال إلى الفساد بهن أو مميلات أكتافهن واكفالهن كما تفعل الراقصات أو مميلات مقانعهن عن رؤسهن لتظهر وجوههن ( مائلات ) إلى الرجال أو معناه متبخترات في مشيهن ( رؤسهن كأسنمة البخت ) يعنى يعظمن رؤسهن بالخمر والقلنسوة حتى تشبه اسنمة البخت أو معناه ينظرن إلى الرجال برفع رؤسهن ( المائلة ) لان أعلى السنام يميل لكثرة شحمه ( لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وان ريحها لتوجد من مسيرة كذا وكذا ) اى من مسيرة أربعين عاما حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ حتى التي يبتدأ بها الكلام دخلت على الجملة الاسمية وهي مع ذلك غاية لما قبلها متعلقة بيصفون اى يستمرون على سوء الذكر حتى إذا جاء أحدهم كافرا اى أحد كان الموت الذي لامر دله وظهرت له أحوال الآخرة قالَ تحسرا على ما فرط فيه من الايمان والعمل رَبِّ يا رب ارْجِعُونِ ردني إلى الدنيا والواو لتعظيم المخاطب لان العرب تخاطب الواحد الجليل الشان بلفظ الجماعة وفيه رد على من يقول الجمع للتعظيم في غير المتكلم انما ورد في كلام المولدين ثم إنه يقول له إلى أي شئ تذهب إلى جمع المال أو غرس الغراس أو بناء البنيان أو شق الأنهار فيقول لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ اى في الايمان الذي تركته اى لعلى اعمل في الايمان الذي آتى به البتة عملا صالحا فلم ينتظم الايمان في مسلك الرجاء كسائر الأعمال الصالحة بان يقول لعلى أو من فاعمل إلخ للاشعار بأنه امر مقرر الوقوع غنى عن الاخبار بوقوعه فضلا عن كونه مرجو الوقوع وقال في الجلالين ( لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً ) اى اشهد بالتوحيد ( فِيما تَرَكْتُ ) حين كنت في الدنيا انتهى قال بعضهم الخطاب في ارجعون لملك الموت وأعوانه وذكر الرب للقسم كما في الكبير واستعان باللّه أولا ثم بهم كما في الأسئلة المقحمة وكما قال الكاشفي [ امام ثعلبى با جمعى مفسران برانند كه خطاب با ملك الموت وأعوان اوست أول بكلمهء رب استعانة مىنمايند بخداى وبكلمهء ارجعون رجوع مىنمايند بملائكة ] ويدل عليه قوله عليه السلام ( إذا عاين المؤمن الملائكة قالوا أنرجعك إلى الدنيا فيقول إلى دار الهموم والأحزان